الشيخ الطبرسي
133
تفسير مجمع البيان
أسررت ، وأسررت للذين أعلنت لهم ، ومعناه . إني سلكت معهم في الدعوة كل مذهب ، وتلطفت لهم في ذلك غاية التلطف ، فلم يجيبوا ( فقلت استغفروا ربكم ) أي اطلبوا منه المغفرة على كفركم ومعاصيكم ( إنه كان غفارا ) لكل من طلب منه المغفرة ، فمتى رجعتم عن كفركم ، وأطعتموه ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي كثيرة الدرور بالغيث . وقيل : إنهم كانوا قد قحطوا وأسنتوا ( 1 ) ، وهلكت أموالهم وأولادهم ، فلذلك رغبهم في رد ذلك بالاستغفار مع الإيمان ، والرجوع إلى الله . قال الشعبي : قحط المطر على عهد عمر بن الخطاب ، فصعد المنبر ليستسقي ، فلم يذكر إلا الاستغفار حتى نزل . فلما نزل قيل له : ما سمعناك استسقيت قال ؟ لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء ( 2 ) التي بها يستنزل القطر ، ثم قرأ هذه الآية . ( ويمددكم بأموال وبنين ) أي يكثر أموالكم وأولادكم الذكور ، عن عطا ( ويجعل لكم جنات ) أي بساتين في الدنيا ( ويجعل لكم أنهارا ) تسقون بها جناتكم . قال قتادة . علم نبي الله نوح أنهم كانوا أهل حرص على الدنيا ، فقال : هلموا إلى طاعة الله ، فإن فيها درك الدنيا والآخرة . وروى الربيع بن صبيح . أن رجلا أتى الحسن ، فشكا إليه الجدوبة ، فقال له الحسن : استغفر الله . وأتاه آخر فشكا إليه الفقر ، فقال له : استغفر الله . وأتاه آخر فقال . ادع الله أن يرزقني ابنا فقال له : استغفر الله . فقلنا : أتاك رجال يشكون أبوابا ، ويسألون أنواعا ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ؟ فقال : ما قلت ذلك من ذات نفسي ، إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح ، إنه قال لقومه : ( استغفروا ربكم ) إلى آخره . وروى علي بن مهزيار ، عن حماد بن عيسى ، عن محمد بن يوسف ، عن أبيه قال : سأل رجل أبا جعفر عليه السلام وأنا عنده ، فقال له : جعلت فداك إني كثير المال ، وليس يولد لي ولد ، فهل من حيلة ؟ قال : نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مئة مرة ، فإن ضيعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار ، فإن الله يقول ( استغفروا ربكم ) إلى آخره . ثم قال نوح ( ع ) لهم على وجه التبكيت : ( ما لكم ) معاشر الكفار ( لا
--> ( 1 ) أسنت القوم : أجدبوا وأصله من السنة بمعنى الجدب والقحط ، فأبدلوا الواو في الفعل تاء ليفرقوا بينه وبين قولهم : أسنى القوم إذا أقاموا سنة في موضع . ( 2 ) المجاديح جمع المجدح : نجم من النجوم قيل هو الدبران ، وقيل : هو ثلاثة كواكب كالأثافي : وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر ، فجعل الاستغفار مشبها بالأنواء .